منطق الفلسفة وبنية التفكير الفلسفي ومقوماته

إن عظمة الكون والإنسان, استغرقت العقل البشري منذ نشأته, كما أدهشته, وحملته على استخدام أنواع من الآليات والأدوات وأصناف من التفكير: كالتفكير الأسطوري, و الديني, و العلمي, و الفلسفي, من أجل التمكن, من المعرفة الفعلية والحقيقة المطلقة, وبالتالي السيطرة على الطبيعة.

إن لكل نوع من هذه التفا كير, خصائص ومنطق يميزه عن باقي أصناف التفكير الأخرى. وللفلسفة منطقها الذي هو نتيجة حركتها الخاصة عبر التاريخ, وثمرة حوار الفلاسفة.

فما هي خصائص ومميزات التفكير الفلسفي التي يعرف بها, و تحدد طبيعته وتميزه عن أنواع أخرى من التفكير؟

 

(1)الشمولية والعلم بالكليات :

إن التفكير الفلسفي ينزع إلى الكلية والشمول, هدفه التعميم, الذي لا يتقيد بالظواهر الجزئية المحدودة في الزمان والمكان, بل يحاول دراسة الظواهر على اختلاف أنواعها, ويعبر عنها في نسق عقلي شامل.

إن الفلسفة نظرة شاملة, تتخذ من الكون و الوجود مجالا للبحث ,والتأمل. ساعية من وراء ذلك إلى تحقيق فهم أفضل للعلاقة المادية والروحية, التي تربط الإنسان بهذا الكون ,وتعبر عنه,بواسطة فكر مجرد وشمولي كلي.

يقول أفلاطون:{…الفيلسوف هو الإنسان المتأمل الذي يتطلع إلى الوجود ككل ,ويستوعب الأزمنة بأسرها.}

إن هم الفلسفة ينصب على رؤية الوجود في كليته وشموليته ,ومن ثم الحكم عليه ككل متجانس ,أو كوحدة مركبة لا تقبل التجزيئ .

يقول الدكتور زكرياء إبراهيم: {إن فكرة ( الكل) قد لعبت دورا كبيرا في نشأة التفكير الفلسفي وتطوره, لأن الإنسان لم يتفلسف إلا حينما خطر بباله أن يوحد بين الموجودات في إطار عقلي أو نسق فكري يفسر به الحقيقة كلها في شتى مظاهر تعقدها. ولا زال الميل إلى التعميم , أو الحرص على التركيب ,أو الاهتمام بالوحدة ,أو النزوع نحو الكلي , من أهم الصفات التي يتميز بها صاحب العقلية الفلسفية.}(المرجع السابق ص71-72).

ومهما اختلفت وجهات نظر الفلاسفة, فإنهم يجمعون على كون النظرة التأملية , الكلية, الشاملة, والموحدة التي تستوعب كل ما يمكن أن يعرفه الفيلسوف عن طريق تجربته الذاتية في الحياة, هي المكون الأساسي للفكر الفلسفي ,وهي التي أدت إلى نشأته.

يقول بارودي :{إن المهم في الفلسفة هو الجهد المبذول في سبيل الوصول إلى تأليف شامل أو مركب … فالفلسفة معرفة تأملية وتوحيدية معا .}

أما الفيلسوف الإنجليزي هبرت سبنسر فيقول :{…إن أدنى درجة من درجات المعرفة إنما هي المعرفة غير الموحدة .وإذا كان العلم معرفة موحدة جزئيا , فإن الفلسفة هي المعرف الموحدة كليا .} (مرجع سابق ص 72) .

إن الفلسفة تسعى دائما إلى تأمل المبادئ الكبرى, والعلل الأولى, للوصول إلى الحقيقة وتبديد الغموض المعرفي, بشكل لا يخلو من المنطق وبعد النظر العقلي.هاجسها الأول ,هو بناء وحدة المعرفة, وتماسك التفكير ,وجمع شتات التجارب المتنوعة, وإعادة تركيبها في قوالب, وصور عقلية. إن عمل الفيلسوف , كعمل المهندس المعماري وإن كانت مادته بنائه هي الأفكار, وليست الأحجار .

(2) النسقية :

الفلسفة تفكير نسقي يشتق مصطلح النسق من فعل نسق, ومعناه نظم, وله علاقة بالترتيب والتشكيل والبناء و يفيد معنى الترابط , والتفاعل, والتداخل بين مجموعة من العناصر ,مكونة وحدة عضوية داخلية لشيء ما. بحيث لا يمكن فهم أي عنصر من العناصر, إلا في إطار الكل الذي يحتويه . وأي فهم خارج إطار الكل يبقى مجرد رأي ذاتي لا يرقى إلى مستوى البناء العقلي ذو الطابع ألنسقي.

إن النسق ,هو الإطار الفكري الكامل والشامل, الذي يمكن الفيلسوف من تفسير الظواهر المختلفة, ومعالجة الأسئلة المتباينة ,وذلك عن طريق ربط أفكاره بعضها ببعض, في وحدة عضوية متناسقة, تدور كلها حول محور واحد ,أو محاور محددة تعكس اتجاه أو مذهبه الفلسفي , وتفسر رأيه في الموضوع بشكل واضح.و المذاهب الفلسفية الكبرى بصفة عامة , تحتوي بالضرورة على أنساق فلسفية فرعية داخلية. لأن لكل فيلسوف موقفا واتجاها يتميز به داخل النسق العام للمذهب.

إن مجموعة من النظريات الفلسفية ,المتماسكة والمترابطة فيما بينها والمعبرة عن مواقف معينة, من إشكاليات معينة, والتي تتألف من عدد من الحجج المترابطة ولتي تتألف بدورها بعدد من القضايا في شكل مقدمات ونتيجة , لتأكيد أو تدعيم موقف ما , تؤلف نسقا فلسفيا .الواقع أنه لا يمكن لنا أن نطلق على فلسفة ما, صفة النسقية ما لم تتطرق بشكل أو بآخر, لمحاور الفكر الأساسية وهي: الوجود, والمعرفة , والقيم.

Source : oujdacity.net